السيد محمد باقر الموسوي
463
الكوثر في أحوال فاطمة بنت النبي الأعظم ( ع )
من مراتب الكمال النفسي ، ودرجة من درجات الوجود الإنساني الفاضل الّذي ترتفع إليه الماهيّة الإنسانيّة في ارتقاءاتها الجوهريّة وتصاعداتها نحو الكمال المطلق ، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوّة منصبا إلهيّا مجعولا - لا كمنصب الملك والوزير - ويكون ذلك التكامل النفسي شرطا له . فالمفهوم الأوّل يمتنع انتقاله بالضرورة ، لأنّه نفس وجود النبيّ صلّى اللّه عليه واله وكمالاته الذاتية . والنبوّة بالمعنى الآخر يستحيل انتقالها أيضا ، لأنّها حينئذ أمر اعتباري متشخّص الأطراف ، ولا يعقل تبدّل طرف من أطرافه إلّا بتبدّل نفسه ، وانقلابه إلى فرد آخر . فنبوّة زكريّا عليه السّلام - مثلا - هي هذه الّتي اختصّ بها زكريّا عليه السّلام ، ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر ، لأنّها لا تكون حينئذ تلك النبوّة الثابتة لزكريّا عليه السّلام ، بل منصبا جديدا ، أو مقاما نبويّا حادثا . والنظر الأوّلي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوّة من دون حاجة إلى هذا التعمّق والتوسّع . وإذن فالنتيجة الّتي يقرّرها العقل في شوطه الفكري القصير الّذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أنّ المال وحده الّذي ينتقل دون العلم والنبوّة . 3 - وقد يعترض على تفسير الإرث في كلام زكريّا عليه السّلام بإرث المال ، بأنّ يحيى عليه السّلام لم يرث مال أبيه ، لاستشهاده في حياته ، فليزم تفسير الكلمة بإرث النبوّة ، لأنّ يحيى عليه السّلام قد حصل عليها ويكون دعاء النبيّ حينئذ قد استجيب . ولكن هذا الاعتراض لا يختصّ بتفسير دون تفسير ، لأنّ يحيى عليه السّلام كما أنّه لم يرث مال أبيه ، كذلك لم يخلفه في نبوّته . وما ثبت له من النبوّة لم يكن وراثيا ، وليس هو مطلوب زكريّا عليه السّلام ، وإنّما سأل زكريّا عليه السّلام ربّه وارثا يرثه بعد موته ، ولذا قال : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي - أي : بعد موتي - .